أ.د. عماد الدين المصبح
أستاذ الاقتصاد الكلي
لسنوات طويلة خلال عهد النظام البائد، لم يكن القطاع
الصحي السوري يعاني فقط من ضعف التمويل أو سوء الإدارة، بل كان ضحية "منظومة فساد"
مؤسساتية، تاجرت بصحة السوريين وحوّلت أروقة المشافي ومستودعاتها إلى ثقوب سوداء تبتلع
المال العام.
وما تفاصيل قضية التزوير والاختلاس الكبرى التي طفت
على السطح مؤخراً في مشفى حلب الجامعي -والتي قُدرت بنحو مليار و770 مليون ليرة سورية
(قديمة)- سوى مثال صارخ وقمة جبل جليد يكشف كيف كانت تُدار الأمور في ذلك العهد. للوهلة
الأولى، يبدو الرقم المالي في حلب صادماً، لكن الحقيقة المرة التي يدركها كل سوري هي
أن هذا الرقم يعكس الضرر "المحاسبي" المباشر فقط، أما الكلفة الحقيقية فلم
تُدفع من الخزينة، بل من صحة المريض السوري وجيبه.
في القطاع الصحي، لا تُقاس الخسارة بالليرات فقط. كل ليرة اختُلست في حلب وغيرها من مشافي البلاد، تُرجمت فوراً إلى خدمة طبية مفقودة: عمليات جراحية تأجلت، غرف عمليات افتقرت إلى القفازات والخيوط الجراحية، ومعايير تعقيم انخفضت إلى حدود الخطر.
اختلاس المستهلكات الطبية هو أخطر أنواع الفساد، لأنه
يضرب المريض مباشرة على سرير المشفى. وفي ظل تلك الممارسات، كان المواطن يدفع "ضريبة
الفساد" مرتين: مرةً كدافع ضرائب مُوّلت من جيبه المشتريات الحكومية، ومرةً أخرى
كمريض يُطلب منه النزول إلى الصيدليات الخاصة أو السوق السوداء لشراء مستلزمات طبية
-قد تكون هي ذاتها المسروقة من المشفى- لإنقاذ حياته!
السبب الجوهري الذي سمح باستمرار هذا النزيف في عموم
المشافي الحكومية لسنوات، هو الاعتماد المتعمد على السجلات الورقية القابلة للتزوير،
وغياب أنظمة إدارة المخزون. والقاعدة الرقابية البسيطة تقول: "إن المخزون الذي
لا يُحصى بدقة هو مال عام بلا حراسة". وعبر هذه السجلات البدائية، كان يتم إدخال بضائع
وهمية لم تصل أصلاً، أو تُشطب مواد سليمة على أنها تالفة، أو يُعاد شراء مواد مكدسة
بالفعل في المستودعات. والنتيجة كانت إنفاقاً حكومياً منتفخاً على الورق، ورفوفاً فارغة
على أرض الواقع.
واليوم، ومع فتح هذه الملفات، يبرز سؤال بديهي: هل
يمكن استرداد هذه الأموال؟
واقعياً، الاسترداد الكامل لأموال نُهبت قبل سنوات
يواجه تحديات معقدة، أبرزها تآكل القيمة الشرائية بفعل التضخم. ورغم الأهمية القصوى
للملاحقة الجنائية والحجز على أموال المتورطين لتحقيق الردع (وهو ما يُحسب لجهود الأجهزة
الرقابية الحالية)، إلا أن الاسترداد يعالج الماضي فقط. إن المعيار الحقيقي للنجاح
هو: "كيف نضمن ألا نكتشف بعد خمس سنوات مشفى حلب آخر، أو قضية اختلاس جديدة؟".
الحل لا يكمن في المحاسبة وحدها، بل في نسف أدوات
النظام البائد وبناء أنظمة رقمية شفافة تجعل تكرار الجريمة شبه مستحيل. نحن بحاجة ماسة
إلى تطبيق ثلاثية إصلاحية في عموم القطاع الصحي:
- منصة
شراء إلكترونية موحدة: تُعلن
عبرها المناقصات والعقود والأسعار للعموم.
- نظام
مخزون محوسب: يتتبع
كل قطعة طبية أو حبة دواء برقم إلكتروني من لحظة دخولها المستودع وحتى وصولها
لسرير المريض.
- فصل
صارم للصلاحيات: بحيث
لا يكون من يشتري المواد هو من يستلمها، ولا يكون من يصرفها هو من يدققها.
ومن نافلة القول، إن التقنية تضيّق باب الفساد، لكن
"الإرادة الرقابية" والحوكمة هي من تغلقه. فالنظام الإلكتروني الذي تُديره
عقلية قديمة بلا رقابة سيتحول ببساطة إلى "تزوير رقمي".
ما نراه اليوم من كشف علني لهذه الملفات هو خطوة هامة
للقطع مع ثقافة التكتيم التي سادت سابقاً، لكن المطلوب هو تحويل هذه الخطوة إلى "منظومة
دائمة" قوامها البيانات المفتوحة والرقابة المستقلة. فالمعادلة التنموية واضحة:
كل ليرة ننتزعها من أنياب الفساد، هي ليرة تعود لتنير مشفى أو تؤسس مدرسة. مكافحة الفساد
اليوم لم تعد ملفات في أروقة المحاكم، بل طوق النجاة الأهم لمستقبل سوريا.