أ.د. عماد الدين المصبح
عادت
قضية تسعير القمح في سورية لتتصدر المشهد الاقتصادي والاجتماعي، مثيرةً موجة من
السخط والجدل بعد قرار الحكومة شراء المحصول بسعر 330 دولاراً للطن الواحد. وفيما
يرى طيف واسع من الخبراء والمزارعين أن هذا السعر "جائر" لكونه لا يغطي
تكاليف الإنتاج المتصاعدة، يبرز تساؤل أعمق يتجاوز لغة الأرقام المباشرة: هل وظيفة
السعر هي مجرد "تعويض التكلفة"، أم أنه نظام معلوماتي حيوي يوجه السلوك
الإنتاجي نحو الاستدامة؟
في
الموروث الاقتصادي السوري، ترسخ مفهوم "السعر العادل" بوصفه معادلة
حسابية بسيطة: (التكلفة + هامش ربح). هذه النظرة، التي اعتاد بعض الصحفيين
والاقتصاديين غير المحترفين على تسميتها (من ضمن حزمة واسعة من الخدمات
الاجتماعية-الاقتصادية) بـ "الاقتصاد الأبوي"، تنظر إلى الدولة كضامن
دائم لربحية المنتج بغض النظر عن كفاءة العملية الإنتاجية أو ملاءمتها للموارد
المتاحة.
لكن،
من وجهة نظر اقتصادية-سياسية، السعر ليس مجرد قيمة نقدية؛ إنه "نظام معلومات
اجتماعي-اقتصادي". وظيفته الأساسية هي إرسال إشارات للمنتج الرشيد حول ما يجب
إنتاجه، وأين، وكيف. عندما يتقارب السعر الحكومي مع سعر السوق الدولية (كرائز
مرجعي)، فإنه يضع المنتج أمام مرآة الحقيقة الاقتصادية. إذا كانت تكلفة إنتاجك
تتجاوز السعر العالمي، فهذه "إشارة" معلوماتية تخبرك بأن هيكل إنتاجك
يعاني من خلل ما، أو أنك تزرع المحصول الخطأ في المكان الخطأ.
لقد
اعتاد قطاع الزراعة في سورية، في إطار ما كنت قد أسميته في مقالة سابقة بـ "نموذج
الركود الاستقراري"، على أن الدولة ستتدخل دائماً لامتصاص فجوة التكلفة. هذا
الاعتماد المؤسساتي أدى إلى تشويه قرارات التخصيص المكاني للزراعة، حيث نجد اليوم
مساحات شاسعة من القمح تُزرع في مناطق الاستقرار الثالثة وربما الرابعة أيضاً، وهي
مناطق شحيحة الأمطار بطبيعتها. ولتعويض نقص الأمطار في هذه المناطق، يلجأ الفلاحون
إلى "الري التكميلي" المعتمد على استنزاف المياه الجوفية واستخدام
المحروقات والخدمات الإضافية. هذه العملية تنطوي على تكاليف باهظة تنقل حساب الدخل
الإنتاجي حكماً إلى منطقة الخسارة إذا ما قورنت بالسعر العالمي. هنا، تصبح
"التكلفة العالية" التي يطالب الفلاح بتغطيتها ليست قدراً محتوماً، بل
هي نتيجة لقرار إنتاجي غير رشيد استنزف الثروة المائية الوطنية لإنتاج مادة يمكن
الحصول عليها بكلفة أقل وبطرق أكثر استدامة.
إن
الدفاع عن السعر الذي حددته الحكومة (330 دولاراً) لا ينطلق من الانحياز للسياسات
المالية التقشفية، بل من منظور "التنمية المستدامة". إن السعر، حين لا
يغطي التكاليف المرتفعة للزراعة في المناطق الهامشية، يعمل كأداة ضغط لإعادة تخصيص
الأراضي والثروة المائية بشكل رشيد. فمن مصلحة الاقتصاد الوطني والمنتج نفسه على
المدى الطويل أن يتوقف عن زراعة القمح في مناطق الاستقرار الثالثة والرابعة،
والاستعاضة عنها بزراعات بديلة (مثل الشعير أو النباتات الرعوية أو المحاصيل الأقل
استهلاكاً للمياه) ذات مردود مالي يتناسب مع طبيعة المنطقة وتكاليفها. استمرار
الحكومة في دفع أسعار تغطي "تكلفة الفشل في التخصيص" هو في الحقيقة دعم
لاستنزاف الموارد المستقبلية للأجيال القادمة.
وهنا
لا يفوتني الإشارة إلى تعليق كريم من الدكتور تيسير رداوي وزير التخطيط الأسبق على
منشور لي في فيسبوك حول موضوع هذه الأسطر، أشار إلى أن السعر يجب أن يتحدد على
أساس التكلفة في ظل غياب السوق التنافسية في سورية. ورغم وجاهة هذا الطرح من منظور
الحماية الاجتماعية، إلا أنه يغفل أن "التسعير الإداري" الذي يراعي فقط
مصالح المنتجين الحاليين يتحول بمرور الوقت إلى عائق أمام التحديث. إننا أمام
خيارين: إما الاستمرار في سياسة "التسعير الرعائي" التي تكرس الهياكل
الإنتاجية المتخلفة والمستنزفة للموارد، أو الانتقال إلى لغة "صدمة
السوق" التي تجبر جميع الفاعلين الاقتصاديين على التحول نحو الرشاد الإنتاجي.
السعر الحالي، رغم مرارته، هو بمثابة "تصحيح معلوماتي" يخبرنا بأن القمح
السوري يجب أن يُزرع حيث تتوفر الكفاءة والمطر، لا حيث تتوفر المضخات والديزل
المدعوم.
لقد
آن الأوان لنتوقف عن التعامل مع القمح كقدس أقداس أيديولوجي يبرر الهدر الاقتصادي
تحت شعار "الأمن الغذائي" المطلق. الأمن الغذائي الحقيقي لا يتحقق
بزراعة القمح في الصحراء بتكاليف تتجاوز سعره العالمي بمرتين، بل يتحقق بإنتاج ما
نمتلك فيه "ميزة نسبية" وتصديره لشراء ما نحتاجه، مع الحفاظ على مواردنا
المائية والتربوية. وهو ما أشار له الصديق الصحفي محمد إبراهيم، أيضا في تعليقه
على منشور السابق، بقوله "المشكلة هي ارتفاع تكلفة إنتاج القمح في سورية
والذي يخلق هوة كبيرة بين استيراده بسعر اقل من قيمة تكلفة إنتاجه محليا، ما يوقع
الحكومة في أزمة فارق سعري كبيرة، وفي حال رفع قيمة شراء القمح المحلي يؤدي ذلك
الى تحمل الحكومة فارق التكاليف والتي جاءت من حماية المنتج المحلي وتشجيع الفلاحة
؟"
يجب
أن اعترف أخيراً، أن السعر الذي حددته الحكومة هو خطوة مؤلمة، ولكنها ضرورية في
مسار الانتقال نحو اقتصاد "عقلاني". إنه يدفع المزارع ليكون
"مديراً لعملية إنتاجية" يبحث عن تعظيم الربح عبر الكفاءة، لا عبر
المطالبة بزيادة الأسعار الإدارية. إن إصلاح هيكل الإنتاج الزراعي في سورية يبدأ
من الاعتراف بأن السعر هو المعلم الأقسى، ولكنه الأصدق في توجيهنا نحو مستقبل
مستدام.