أ.د. عماد الدين المصبح
في
أدبيات التنمية الاقتصادية، ولاسيما في تجارب التعافي التي تتسم بندرة شديدة في
رؤوس الأموال، تُعد محاولة توزيع الاستثمارات بالتساوي بين مختلف المجالات وصفة
شبه مؤكدة لتشتيت الموارد وتكريس الركود. ويزعم كاتب هذه السطور أن ما تحتاجه
سورية اليوم ليس ملاحقة سراب «النمو المتوازن»، بل تبني استراتيجية «القطاعات
الرائدة أو القاطرة» عبر تركيز الزخم التمويلي والسياسات الاستثمارية في قطاعات
نوعية قادرة على جرّ باقي مفاصل الاقتصاد خلفها.
ومن اجل توضيح ذلك لابد من طرح الاسئلة التالية: أي قطاع قادر فعلاً على توليد نقد أجنبي مستدام لا مؤقتاً؟ وأي قطاع يملك تراكماً معرفياً وصناعياً سابقاً يمكن البناء عليه بدل البدء من الصفر؟ وهل كل نشاط اقتصادي يمتص بطالة هو بالضرورة نشاط يبني اقتصاداً؟ من خلال الاجابة عن هذه الاسئلة يمكننا الولوج الى تحديد القطاعات التي تستحق ان توضع في قلب اي مشروع اصلاحي، وتمييزها عما سواها.
طبيعة
مشكلة قطاع العقار كقاطرة زائفة
جرت
في الخطاب الاقتصادي السائد محاولات عديدة لتصوير قطاع التطوير العقاري والتشييد
بوصفه القاطرة الأولى للتعافي السوري، وتوصلت هذه المحاولات الى تسويغ هذا الطرح
بجملة من الحجج، وان اختلفت في ترتيب اولوياتها إلا انها اتفقت على مايلي:
1-
عجز المعروض السكني الحاد الناجم عن سنوات الحرب وتوقف الاعمار.
2-
النمو الديمغرافي واستحقاق استيعاب عودة اللاجئين والمهجرين.
3-
قدرة القطاع على امتصاص البطالة بسرعة اكبر من اي قطاع آخر.
4-
تأمين مداخيل نقدية فورية لآلاف العمال في المدى القصير.
ومع
الايمان بصحة هذه الحجج واهميتها التشغيلية العاجلة، إلا ان تبنيها كأساس وحيد لاستراتيجية
التنمية لن ينتج تعافياً حقيقياً، واظن انه لن ينتج، بسبب عدم الاقتراب من العامل
الجوهري الذي يحدد قيمة اي قطاع كقاطرة تنموية: القدرة على بناء قاعدة انتاجية
وتوليد طاقة تصديرية مستدامة تحمي سعر صرف العملة وتدافع عن قيمتها الشرائية.
ان
قطاع العقار، رغم دوره التشغيلي الذي لا خلاف عليه، هو في جوهره قطاع مستهلك
للسيولة والموارد، ولا يمتلك بذاته آلية لخلق قيمة مضافة تراكمية تقود الاقتصاد
نحو الاستقلال عن المساعدات والتحويلات الخارجية. فالوحدة السكنية تُستهلك محلياً
ولا تُصدَّر، وكل دولار يُستثمر فيها هو دولار لا يبني طاقة تصنيعية أو زراعية
قابلة للمنافسة في الاسواق الخارجية.
القطاعات
القاطرة المرشحة: الغذاء والنسيج
اذا
اردنا ترجمة مقولة «لا تنمية بدون صناعة» الى واقع عملي، فان نقطة الارتكاز
الاستراتيجية يجب الا تتشتت بين قطاعات متعددة، بل تنصب كلياً على قطاعين هما
الصناعات الغذائية والصناعات النسيجية. وهذا الاختيار لا ينطلق من اعتبارات
تقليدية، بل يستند الى اسس صلبة تكرّس الميزة التنافسية التاريخية للاقتصاد
السوري:
1-
تراكم خبرات صناعية ومعرفة تقنية متوارثة في هذين القطاعين تحديداً.
2-
حضور موثوق وسمعة عريقة في الاسواق الاقليمية والدولية تعترف بجودة المنتج السوري
وتطلبه.
3-
الارتباط العضوي بالقطاع الزراعي، بحيث لا نتحدث عن منشآت معزولة في جزر
استثمارية، بل عن سلاسل انتاج وقيمة متكاملة تمتد من القطن والقمح والخضار
والفواكه المحلية الى المنتج النهائي.
وهذا
الترابط الهيكلي كفيل بنقل النشاط الزراعي برمته من زراعة معاشية محدودة المردود
الى رافد تصنيعي عالي الربحية، ويمنع استنزاف الموارد عبر تصدير المواد الاولية
بأسعار بخسة، ويضمن خلق القيمة المضافة وتعظيمها داخل الاقتصاد الوطني بدل تسريبها
للخارج.
استحقاقات
رأس المال الأساسي
لكن
انطلاق هاتين القاطرتين الصناعيتين يظل مشروطاً بانجاز استحقاقات حرجة لا تقبل
التأجيل في بنية «رأس المال الاساسي»، ولابد من الاعتراف بان تحقيقها لا يتم دفعة
واحدة بل عبر مراحل متعاقبة:
اولاً-
مرحلة الشرط المسبق: الطاقة والكهرباء
لا
يمكن تصور اقلاع صناعي حقيقي دون حل تدريجي ومستقر لقطاع الطاقة، بوصفه الشرط
المسبق الذي يخفض تكاليف التشغيل ويمنح السلعة السورية قدرتها على المنافسة سعرياً
في الاسواق الخارجية.
ثانياً-
مرحلة العصب الحاكم: الاتصالات والتحول الرقمي
يتكامل
ذلك مع ضخ استثمارات في قطاع الاتصالات والتحول الرقمي باعتباره العصب الحاكم
لادارة سلاسل الامداد وربط الحقل بالمصنع مباشرة بمنصات التصدير، وتحتاج هذه
المرحلة الى: بنية رقمية تربط تسجيل المحاصيل الزراعية بخطوط التصنيع بأنظمة تتبع
موحدة؛ ومنصات دفع وتمويل تجاري رقمية تسهل تعامل المصدّرين مع الاسواق الخارجية
رغم القيود المصرفية القائمة.
ثالثاً-
مرحلة الشريان الحيوي: النقل السككي
ولتكتمل
هذه المنظومة، يبرز الاستثمار في النقل السككي واعادة ربطه بشبكات دول الجوار
كشريان حيوي لا غنى عنه؛ فنقل الكتل السلعية الثقيلة من محاصيل واقطان الى منتجات
غذائية ونسيجية تامة الصنع لا يحقق جدوى اقتصادية بالاعتماد على النقل البري باهظ
التكلفة.
وبعد،
هذه الافكار لتحديد القطاعات القاطرة للاقتصاد السوري، تحتاج الى نقاش، ولا ازعم
انها ناجزة، وقد كان الدافع لطرحها المساهمة المتواضعة في الانتقال من ساحات
التنظير حول «التوازن» الى ساحات برمجة اولويات حقيقية قابلة للتنفيذ خلال السنوات
الخمس المقبلة.